بسم الله الرحمن الرحيم

كلمة منيب رشيد المصري

الأخ العزيز  ممثل سيادة الرئيس محمود عباس(أبو مازن) الدكتور رفيق الحسيني،،

دولة رئيس الحكومة الأخ العزيز الدكتور سلام فياض والأخوات والأخوة الوزراء وأعضاء المجلس التشريعي وأعضاء اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية،،

الأخوات والأخوة قادة وممثلي الفصائل والأحزاب ومنظمات المجتمع المدني،،

الأخوة رجال الدين من كافة الطوائف،،

الأخوات والأخوة أعضاء السلك الدبلوماسي العربي و الأجنبي،،

الأخوات و الإخوة، الضيوف الكرام،،

اسمحوا لي في البداية أن أتقدم بالاصالة عن نفسي، وباسم زملائي في المنتدى بجزيل الشكر و التقدير على حضوركم و مشاركتكم لنا في حفل انطلاقة منتدى فلسطين.

أننا في منتدى فلسطين نأمل و سنعمل بكل جد وإخلاص، وبكل تواضع ومثابرة لكي يكون المنتدى، عبر التفاعل و التعاون مع كل العناصر و القوى الحية و الخيرة في شعبنا، علامة نوعية ايجابية في التاريخ الفلسطيني المعاصر.

أود أن اخص بالشكر و التقدير السيد الرئيس على انتدابه الأخ الدكتور رفيق الحسيني، وعلى التشجيع الذي عبر عنه سيادته للمنتدى في مناسبات عديدة، مما يدل على إيمانه الراسخ بالتعددية و التنوع وروح التنافس البناء.

كما أود أن أتقدم بالشكر لجميع الأخوة و الأخوات الحضور خصوصا الضيوف الذين جاءوا من الخارج متكبدين عناء السفر، من اجل مشاركتنا في حفل ميلاد منتدى فلسطين.

اسمحوا لي أن اخص بالذكر و الشكر أيضا الأخ العزيز الكبير و الصديق عبد المحسن قطان (أبو هاني) الشخصية الوطنية البارزة، الذي كان لموقفه الداعم لفكرة المنتدى، ولمجمل أعماله و مواقفه الخيرة و الوطنية على مدار التاريخ الفلسطيني المعاصر، الأثر الكبير في إلهامنا السير على طريق تأسيس هذا المنتدى الذي نأمل أن يساهم في إنارة النفق المظلم الذي نسير فيه، والذي حالت سلطات الاحتلال دون تمكينه من الحضور الشخصي لهذا الحفل الكريم.

وفي الذكرى الثالثة لغياب القائد الشهيد الزعيم الخالد ياسر عرفات أقول لقد افتقدناك يا أبا عمار، فقد كنت مالئ الدنيا وشاغل الناس، و شعرنا بأهميتك في غيابك أكثر من ما كنا نشعر بها في حياتك. ونحن إلى أيامك وإلى قيادتك وقوة عزيمتك وشجاعتك. فأنت لا تزال حاضرا فينا، وإننا على العهد سائرون حتى يتم تحقيق حلمك، حلم فلسطين بأن تقوم زهرة من زهرات فلسطين أو شبل من أشبال فلسطين بوضع علم فلسطين فوق كنائس ومآذن القدس، عاصمة الدولة الفلسطينية المستقلة.

فمليون تحية للشهيد أبو عمار، ولكل شهداء شعبنا الفلسطيني، وعهداً على مواصلة المسيرة حتى تحقيق أهدافنا الوطنية بالحرية والعودة والاستقلال.

في البداية أيضا لا يمكنني إلا التطرق لما حدث في غزة قبل أيام وأشهر، فمنتدى فلسطين يدين بشدة كل أشكال القمع واستخدام الرصاص والاعتقالات العشوائية، ويؤكد على استخدام الحوار والأساليب السلمية والقانونية والديمقراطية لحل الخلافات الداخلية والتأكيد على التداول السلمي للسلطة، في إطار احترام الشرعية الواحدة والقرار الفلسطيني الواحد.

أيتها الأخوات....أيها الأخوة،،

إنني اشعر بمسؤولية كبيرة وعظيمة، وأنا أقف أمامكم، وأمام شعبنا الفلسطيني، لكي أتحدث لكم عن منتدى فلسطين في هذا اليوم، يوم انطلاقته في الخامس عشر من شهر تشرين الثاني من عام 2007 ،والمصادف الذكرى التاسعة عشرة لإعلان وثيقة الاستقلال. أن ميلاد المنتدى في ذكرى إقرار وثيقة الاستقلال بدل على إيمان المنتدى و قناعته بضرورة إعطاء وثيقة الاستقلال الاهتمام المناسب، لكي تصبح الناظم لمواقفنا وطرق عملنا ونظامنا السياسي كله .

إن منتدى فلسطين هو محاولة جادة ومخلصة لتشكيل إطار يضم المستقلين الفلسطينيين في داخل فلسطين و خارجها ممن يبحثون عن سبل للخروج من الأزمة العاصفة التي تهدد القضية الفلسطينية و المشروع الوطني بالتدهور و الضياع، والتي تلحق الأضرار بالإنسان الفلسطيني والمساس بمعنوياته وبمقومات وجوده وصموده وكرامته على أرض وطنه فلسطين.

وتأكيدا للأهمية التي يوليها المنتدى للتواصل بين أبناء الشعب الفلسطيني في داخل الوطن وخارجه، فقد حرص على عقد لقاءات تشاوريه وعشرات الاجتماعات بمشاركة آلاف الأشخاص، تم خلالها صياغة عشرات المسودات وصولا إلى مشروع البيان التأسيسي بصيغته الحالية، وذلك تأكيدا على التزام المنتدى بالحوار منهجا يحكم العلاقة فيما بين أعضائه، وبينه وبين القوى الأخرى داخل المجتمع.

إن تشكيل المنتدى، جاء تعبيراً عن الاعتراف بأن الأزمة العاصفة التي يشهدها النظام السياسي الفلسطيني، أزمة بنيوية، لم تبدأ بإنشقاق الصف الفلسطيني بين فتح وحماس،  بل كان الانقسام الأخير انعكاساً لها، وبدأت مظاهرها تنضج بعد إنشاء السلطة الوطنية وضعف هياكل منظمة التحرير وتراجع دورها الناظم للشعب الفلسطيني في الداخل والشتات.

إن كافة المحاولات التي بذلت لتجاوز الأزمة من قبل التنظيمات والأحزاب المختلفة لم تؤد إلى نتيجة، وكذلك المحاولات الحثيثة لأفراد ومجموعات أخرى خلال السنوات الماضية، مما يؤكد عمق الأزمة وشمولها لجوانب مختلفة.

إن ما سبق يدلل على أن الأزمة ليست أزمة قيادة وتنظيمات وأحزاب فقط بل أزمة شعب واقتصاد وثقافة ومجتمع وقيم وتعليم، حيث نلاحظ أن كلها تعاني من تراجع وضعف.

إن المطلوب لتجاوز الأزمة ليس إعلان مواقف، أو إدانة طرف أو كل الأطراف، بل المطلوب عمل واعي وحثيث وجاد ومسئول ومعمق ومتواصل لإعادة النظر في طرق عملنا وتفكيرنا، في رؤانا وتوجهاتنا وإشراك مختلف فئات الشعب، وفتح قضايا العمل الاجتماعي والاقتصادي والثقافي وليس الملف السياسي فقط.

فالمطلوب أن يتحول الإنسان الفلسطيني في الوطن والشتات إلى هدف للمشروع الذي نعمل من أجل تحقيقه. إن هدف التحرير وإنهاء الاحتلال والعمل على تلبية احتياجاته وحقوق وحريات الإنسان الفلسطيني هو الجزء المميز لمشروع المنتدى.

لقد جاء اختيار (كلمة منتدى) لما للكلمة من دلالات مرتبطة بالحوار والتفاعل والمشاركة، وتأكيدا على أهمية هذه الآليات في ضما ن الوحدة بين أبناء الشعب الواحد بجميع قواه وفصائله وأفراده كطريق إجباري للنجاح في مقاومة الاحتلال، ورفض نهج التفرد والإقصاء والتشكيك والتخوين والتفكير والمحاصصة.

وسيقدم منتدى فلسطين نموذجا من المسائلة والمراقبة والشفافية التي لا تكتفي بلعن الظلام، وإنما تؤمن بالمساهمة بإنارته عبر إشعال شمعة و ضرب المثل و النموذج و اقتراح الحلول و العمل على هداها، بحيث يتحقق الانسجام ما بين الأقوال و الأفعال.

جاءت فكرة منتدى فلسطين تعبيرا عن الثقة و الأمل بإمكانية تحقيق الحلم الوطني و الديمقراطي الفلسطيني على الرغم من القلق والمخاوف من تداعيات ومخاطر استمرار الوضع القائم الذي يهدد الوجود الفلسطيني جراء تزايد الهجمة الاستيطانية الاستعمارية الإسرائيلية و مصادرة الأراضي و فصل القدس و تهويدها، و الحصار الخانق على قطاع غزة، و العدوان العسكري الإسرائيلي وبناء جدار الضم و التوسع والفصل العنصري الذي يهدف إلى تقطيع أوصال الأراضي الفلسطينية، و قطع الطريق على قيام دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة على الأراضي المحتلة عام 1967 وعاصمتها القدس، و منع حل قضية اللاجئين حلا عادلا على أساس قرار 194 الذي يضمن حق العودة و التعويض، وفي هذا السياق يؤكد المنتدى على إيمانه بحق الشعب الفلسطيني بمقاومة الاحتلال بكافة الأشكال و الوسائل التي يقرها ويكفلها القانون الدولي، وبما ينسجم مع عدالة وأخلاقية قضيتنا و المصلحة الوطنية و القومية العليا.

إن منتدى فلسطين يسعى من أجل تمكين الإنسان الفلسطيني وتحصينه بشتى الوسائل والآليات للصمود في وجه الاحتلال والتخلص منه في أسرع وقت وأقل التضحيات.

فالإنسان الفلسطيني المتعلم المثقف و الذي يتلقى علاج جيد ويتمتع بحقوقه و حريته،  ولديه فرصة للعمل ويحكمه نظاما على قدر كاف من الديمقراطية والعدالة الاجتماعية و المساواة ويجسد المواطنة الصالحة في ظل سيادة القانون،والقيم و الأخلاق و التكافل الاجتماعي و يهتم بالمرأة والشباب و يقوم بالإصلاح والتطوير والتجديد لأفكاره وطرق عمله والأشخاص القائمين عليه، هو الإنسان القادر على تحقيق أحلامه الفردية و الوطنية.

ويعمل المنتدى على تحقيق أقصى قدر ممكن من النمو الاقتصادي رغم الاحتلال عبر وضع الخطط الكفيلة لمكافحة الفقر و البطالة، وهذا يتطلب خلق مناخ استثماري مناسب، قادر على جذب الاستثمارات من الداخل و الخارج، عبر تحسين أداء مؤسسات السلطة، و إصدار القوانين المناسبة، و فرض النظام العام و سيادة القانون و تأمين تكافؤ الفرص، و تشجيع المنافسة و الإنتاج و الإبداع،و البحث العلمي و حرية الحصول على المعلومات وتداولها ، وتوفير العدالة الاجتماعية و مكافحة الاحتكارات و تمكين القطاع الخاص من القيام بدوره بكل حرية بالمشاركة مع القطاع العام.

إن منتدى فلسطين سيولي أهمية كبرى لبناء و تمكين الإنسان الفلسطيني علميا وثقافيا و حضاريا على أساس حماية قيمنا و تراثنا و عاداتنا الحميدة و الانفتاح و التفاعل مع أفكار وثقافات وتجارب وحضارات شعوب العالم.

إن منتدى فلسطين محاولة صادقة وجادة للمساهمة بالوصول إلى وضع يمكن من إعطاء الفلسطيني حقوقه ومن القيام بواجباته وحتى لا يكون الاحتلال حائلا كليا أو مَشجَباً ، لتبرير استمرار عيش الفلسطيني في أحوال سيئة للغاية.

فالطفل الفلسطيني يجب أن يعيش طفولته بحيث يجد الحضانة المناسبة، و الرعاية الكاملة ، فينهل من العلم المرتبط بالتدريب و الحياة بحيث تنمو قدرته على التحليل و التفسير و الاعتماد على الذات ويتعزز سعيه إلى بلوغ الأفضل و الأكمل باستمرار.

من حق الطفل الفلسطيني أن يعيش في أمن و دفء الأخلاق و العادات الحميدة و العواطف النبيلة وضمن إطار علمي و تربوي و اجتماعي يمكنه من تنمية مواهبه و إطلاق طاقاته بحيث لا يكتفي بالعلم و التربية و إنما يرسم و يغني و يرقص و يستمع للموسيقى و يمارس لرياضة، و ينمي علاقته بالكتاب و الثقافة و بأحدث ما توصلت إليه البشرية بمختلف الحقول و العلوم .

إن المنتدى سيمارس، دورا فعالا، لكي يستطيع الشاب ذكرا وأنثى أن يجد فرصة للتعليم الجامعي والعمل بحيث يثق بنفسه و مجتمعه كي يصبح قادرا على إنشاء أسرة قوية وسعيدة تعيش في مسكن وحياة آمنة لتكون لبنة من لبنات المجتمع الحر  القوي السعيد .

كما سيهتم المنتدى بكبار السن ، بحيث يجدون من التأمينات و الضمانات الاجتماعية و الرعاية ما يكفي لأن يعيشوا بقية حياتهم بصورة كريمة و سعيدة.

وستجد كافة القطاعات و المحافظات الفقيرة و المهشمة و المتضررة خصوصا من الاحتلال و الجدار و الاستيطان كل الرعاية و الاهتمام لتعزيز قدرتها على الصمود ومقاومة الاحتلال.

إن الوطن لا يستطيع أن يقف على قدميه و يسير واثقا نحو المستقبل إذا لم يكن عفيا و يعتمد موازنة وتنمية متوازنة تضمن قدراً كافياً من العدالة ، ينعكس على كافة قطاعاته و محافظاته معا وفي وقت واحد.

إن الأفكار و الممارسات الاقصائية التي تؤمن بالعنف غريبة عن ديننا و تقاليد شعبنا و ثورتنا، ومن شأنها إذا لم نضع حدا لها عبر تشجيع الحوار و الرأي و الرأي الأخر و اعتماد الأساليب الشرعية و الديمقراطية لتحقيق الإصلاح و التغيير، أن تؤدي إلى المساس بالتعددية التي ميزت الشعب و التاريخ و الجغرافيا في فلسطين، وكانت مصدر المناعة و الحماية للقضية الفلسطينية منذ نشأتها.

 يؤكد منتدى فلسطين على أن القدس عاصمة وعقل و روح و قلب فلسطين، ولايمكن التفريط بها أو بأي جزء منها، وسيعمل كل جهد ممكن لتعزيز مقومات الصمود في هذه المدينة، و على تجنيد الاستثمارات من الداخل و الخارج و عمل مشاريع مجدية، تشجعع الحركة الاقتصادية و توفر فرص العمل و الحياة الكريمة ،  ودعم المؤسسات القائمة والمواطن المقدسي في مواجهة مخططات الاحتلال الرامية إلى تهويد القدس وتفريغها من سكانها.

ومن هذا المنبر أوجه التحية لكافة الأسرى و المعتقلين والمنتدى يتعهد ويطالب  و بجعل قضية الإفراج عنهم قضية لها أولوية قصوى.

وأخيرا لا يسعني إلا أن اختتم كلمتي هذه بالتأكيد على أهمية وحدة الشعب الفلسطيني و ضرورة تواصله في الداخل و الخارج على أساس إن الوحدة هي الشرط الرئيسي للصمود في وجه الاحتلال و تحقيق العودة والحرية والاستقلال.

إن الفلسطينيين لا يمكن أن يسيروا إلى أي مكان بدون استعادة الوحدة ومعالجة أسباب و جذور الانقسام الخطير الذي يهدد الأرض و الوطن و الإنسان.